محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرنا عن ابن عباس ، وهو : ما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتنا ، والتذلل لأمرنا . فإن قال قائل : فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لامره ؟ قيل : إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم ، لان قضاءه جار عليهم ، لا يقدرون من الامتناع منه إذا نزل بهم ، وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به ، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه . وقوله : ما أريد منهم من رزق يقول تعالى ذكره : ما أريد ممن خلقت من الجن والإنس من رزق يرزقونه خلقي وما أريد أن يطعمون يقول : وما أريد منهم من قوت أن يقوتوهم ، ومن طعام أن يطعموهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 24982 - حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا معاذ بن هشام ، قال : ثنا أبي ، عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون قال : يطعمون أنفسهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين * فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ) * . يقول تعالى ذكره : إن الله هو الرزاق خلقه ، المتكفل بأقواتهم ، ذو القوة المتين . اختلفت القراء في قراءة قوله : المتين ، فقرأته عامة قراء الأمصار خلا يحيى بن وثاب والأعمش : ذو القوة المتين رفعا ، بمعنى : ذو القوة الشديد ، فجعلوا المتين من نعت ذي ، ووجهوه إلى وصف الله به . وقرأه يحيى والأعمش المتين خفضا ، فجعلاه من نعت القوة ، وإنما استجاز خفض ذلك من قرأه بالخفض ، ويصيره من نعت القوة ، والقوة مؤنثة ، والمتين في لفظ مذكر ، لأنه ذهب بالقوة من قوي الحبل والشئ ، المبرم : الفتل ، فكأنه قال على هذا المذهب : ذو الحبل القوي . وذكر الفراء أن بعض العرب أنشده :